حين تجلو الحياة بصرك، لا تعود كما كنت…

كنت في السابعة عشرة، أؤمن أن الأشياء تقاس بامتلاكها، وأن البريق لا يعني شيئا إن لم يصبح لي. كنت أرى المجوهرات كما ترى الأوسمة على صدور الجنود، دليلا على الإنجاز، رمزا للعبور من مرحلة إلى أخرى.
في ذلك العام، نجحت في التوجيهي، وكان ذلك أول انتصار حقيقي في حياتي. احتفى جدي رحمه الله بإنجازي كما لو أنه وسام شرف، وقرر أن يهديني قطعة من الذهب، إشارة إلى أنني كبرت، أنني عبرت الخط الفاصل بين الطفولة والنضج.
دخلت سوق الذهب في الصويفية بعمان برفقة والدتي—أطال الله في عمرها—أبحث عن شيء يليق بهذا الإنجاز، عن بريق يخلد تلك اللحظة. كنت أعتقد أن الفرح يقاس بما نحصل عليه، وأن الشيء لا يملك قيمة إلا حين يصبح لي.
لكن القدر يضع في طريقنا لحظات تبدو عابرة، تمر بنا كأنها لا تعني شيئا، لكنها تبقى، تكبر معنا، تعيد تشكيل رؤيتنا للأشياء دون أن نشعر.
في زاوية أحد المحلات، كانت تجلس سيدة تجاوزت الحاجة لإثبات شيء، في منتصف الخمسينات، بهدوء المدن العتيقة، في صوتها نغمة أهل نابلس، وفي وقفتها طمأنينة من لم تعد الأشياء الباهظة تثيرها. لمحتني أحدق في الألماس بدهشة من لم يعتد النظر إلى ما لا يمكنه امتلاكه، فابتسمت وقالت لي، كمن يلقي إلي بسر صغير، لن أفهمه يومها، لكنني سأحمله معي عبر السنوات:
“جلي نظرك يا خالتو، أنا بعرف مش جاي تشتري ألماس، بس حلو تتفرجي عليه حتى لو مش جاي تشتريه.”
لم أفهم حينها أن التجلي ليس امتلاكا، بل استحقاق بصري، أن الأشياء أحيانا تعطى لنا بمجرد أن نراها، وأن بعض الجمال لا يحتاج إلى أن يصبح لنا، يكفي أن نعبره، أن نتأمله، أن نحفظه في ذاكرتنا دون أن نثقل جيوبنا به.
مرت الأعوام، ومررت بين مدن كثيرة، وقفت أمام واجهات زجاجية مختلفة، بعضها كان يلمع ببريق الذهب، وبعضها كان يلمع ببريق الخذلان. عرفت أن الألماس ليس الشيء الوحيد الذي يبهرنا ثم لا يكون لنا، وأن الحياة نفسها تمارس معنا اللعبة ذاتها؛ تفتح لنا الأبواب ثم تغلقها، تمنحنا الأشياء بنظرة، ثم تستردها بواقع لا يرحم.
لكنني كنت أجلو نظري في كل شيء، ليس فقط في المجوهرات، بل في الطبيعة، في كل لوحة صنعها الله بيديه وتركها لنا بلا ثمن، في مشاهد لا يمكن لبشر أن يقلدها، في تفاصيل لا تلمسها يد، لكنها تمسك بالروح.
في البحر، أدركت أن البكاء أمامه ليس ضعفا، بل شكل من أشكال الصلاة، وأن الذين يقفون طويلا أمام الموج لا يبحثون عن إجابات، بل عن غفران لا يمنحه البشر. في السماء، كنت أنظر إلى الغيوم وهي تتغير في كل لحظة، وتساءلت: كيف يمكن لشيء أن يبدل هيئته كل يوم، ولا يفقد هويته؟ كيف للريح أن تمحو أثرها في كل مرة، لكنها تظل السماء نفسها، تحمل الشمس نفسها، وتضيء لنا الطريق ذاته؟
في الثلج، تعلمت أن الأشياء الأكثر برودة قد تكون الأكثر نقاء، وأن البياض ليس غيابا للألوان، بل مساحة تمنحنا بداية جديدة. رأيت كيف يغطي الثلج كل شيء، كيف يدفن آثار الماضي ليمنح الأرض فرصة أخرى، كيف يذوب برفق، كما لو أنه ينسحب دون أن يترك وراءه أثرا ثقيلا. أدركت أن بعض الأشياء تمر في حياتنا مثل الثلج، تبقى للحظة، تملأ العالم بهدوئها، ثم تختفي، لكن أثرها في القلب لا يذوب.
وفي الأيام التي أقف فيها قرب البحيرات، أسمع أصوات البط والبجع والإوز والنورس وهي تتحدث إلى بعضها، وكأنها تعقد اجتماعاتها الخاصة فوق سطح الماء. أصواتها ليست مجرد ضجيج، بل لغة، طريقة للحياة، دليل على أن العالم يمضي حتى في أكثر لحظاته سكونا. أراقبها وهي تتمايل مع الموج، تتحدث، تختلف، تتلاقى، ثم تبتعد في سلام، وأفكر: كيف نخطئ نحن البشر حين نظن أن الحديث يقتصر على الكلمات؟ كيف أن بعض الأحاديث الحقيقية لا تحتاج إلى لغات، بل تكفيها النوايا الصافية.
في الجبال، تعلمت أن لا شيء يقف أمام العاصفة إلا من يضرب جذوره عميقا، وأن لا شيء يصمد في وجه الريح إلا من آمن أنه وجد ليبقى. في الصحاري، أدركت أن القحط ليس فقرا، بل درس في الاكتفاء، وأن البساطة لا تعني العجز، بل أن تكون كالرمال، تملك القليل لكنها تمتد إلى الأفق بلا حدود.
وفي الناس، تعلمت أن هناك قلوبا تشبه الألماس، تلمع بهدوء، لا تحتاج إلى الضوء لتبرق، بل تنير بحضورها أينما حلت. أشخاص يعبرون حياتنا كما تعبر النسمات الطيبة، يتركون أثرا لا يمحى، ليس لأنهم منحونا شيئا ماديا، بل لأنهم منحونا أنفسهم بلطف، بكلمة صادقة، بنظرة تفهم، بيد تمد في اللحظة التي نظن فيها أن لا أحد سيمد يده إلينا.
هؤلاء لا نملكهم، لكننا نحملهم معنا، في دعواتنا، في ذكرى لقاء لم يطل لكنه بقي، في إحساس الأمان الذي تركوه وراءهم حتى بعد رحيلهم. تعلمت أن العلاقات الحقيقية ليست امتلاكا، بل لحظات من النقاء، تكفي لتضيء العمر كله.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، بعد المدن التي مشيت فيها، والطرقات التي عبرتها، والأحلام التي كادت أن تكون، أملك من الألماس ما لم أكن أملكه حين كنت في السابعة عشرة. لكنه لم يعد يثير الدهشة ذاتها. لم يعد يلمع في عيني كما كان يومها، كأن البريق لم يكن في الحجر نفسه، بل في العيون التي رأته للمرة الأولى.
“جلي نظرك يا خالتو…”
أرددها اليوم كلما وجدت نفسي أمام مشهد لم يخلق ليشترى، كلما رفعت رأسي إلى السماء ووجدت الغيوم تتحرك بلا حاجة إلى جمهور، كلما مررت بشجرة تنحني للريح لكنها لا تسقط، كلما جلست أمام البحر وأدركت أنني لا أحتاج أن أمتلكه كي أنتمي إليه.
وأرددها أيضا كلما التقيت بشخص ترك أثرا جميلا في حياتي، كلما سمعت كلمة طيبة في وقت كنت بحاجة إليها، كلما شعرت أن هناك من عبر حياتي كنسمة، لم يحاول أن يملك شيئا مني، لكنه منحني جزءا منه.
واليوم، وأنا أجلو نظري في الأشياء، أعرف أنني لم أكن بحاجة إلى امتلاك الألماس، لأن الله وضع الألماس في كل مكان، لكنه خبأه في الأشياء التي لا ننتبه لها إلا عندما نجلو أبصارنا حقا.
فما أعظم أن ترى الحياة كما لو أنك تنظر إليها للمرة الأولى، أن تجلو بصرك لا لتقتني، بل لتبصر حقا… لأن الرؤية، في النهاية، هي الامتلاك الوحيد الذي لا يسلب.