الكتابة

“أنا مسافر.”
جاءت رسالته على الواتساب فجأة، كأنها لم تكن مجرد إعلان، بل مفتاحا لباب غير مرئي.
سألته: “إلى أين؟”
“بطرسبورغ.”
توقفت للحظة. لا أحد يذهب إلى بطرسبورغ اعتباطا. هناك مدن تذهب إليها بجسدك، ومدن تذهب إليها بروحك. بطرسبورغ من النوع الثاني، مدينة ليست كغيرها، بل كأنها خرجت من إحدى الروايات ولم تعد.
“لأن دوستويفسكي هناك، أليس كذلك؟”
ضحك وقال: “ربما.”
لكني كنت أعرف. كنت أعرف أن دوستويفسكي ليس مجرد كاتب، بل مرآة يضعها أمامك، يجعلك ترى فيها كل ما كنت تهرب منه.
دوستويفسكي.. عراف النفس البشرية
في كتبه، لا يوجد أبطال، لا يوجد أشرار، هناك فقط بشر يقفون على حافة أرواحهم، يتصارعون مع شيء خفي، شيء لا اسم له لكنه موجود.
كان يكتب كما لو أنه يجري عملية جراحية للروح، لا ليداويها، بل ليكشف حقيقتها، ليجعلنا ندرك أن الإنسان ليس نقيا ولا آثما بالكامل، بل هو نسيج معقد من الصراع والندم والأحلام المحطمة.
لم يكن يبحث عن أجوبة، بل كان يضعنا وجها لوجه مع الأسئلة التي نحاول تجنبها طوال حياتنا.
قرأته مرة واحدة فقط، الجريمة والعقاب، ومع ذلك، صار يسكنني كأنه كتبني قبل أن أقرأه. كأنني، دون أن أدرك، أصبحت جزءا من نبوءته عن الإنسان الذي يحاول أن يفهم نفسه، فلا يجد سوى المزيد من المتاهات.
لكنني كنت بحاجة إلى ضوء يوازن هذا الظلام، فوجدت نيرودا.
بابلو نيرودا.. الشاعر الذي جعل الحب صلاة
“عليك أن تقرأي نيرودا.”
قالتها لي زميلتي التشيلية في الجامعة، وهي تضع في يدي كتابا قديما، تفوح منه رائحة البحر والذكريات.
وقرأت.
لم يكن نيرودا مجرد شاعر، كان عاشقا يرى الحب وكأنه قانون الطبيعة الوحيد الذي لا يتغير.
كان الحب عنده أكثر من مجرد علاقة، كان شيئا يتغلغل في كل شيء، في تفاصيل الحياة اليومية، في نسيم الصباح، في ضوء الشمس الذي يتسلل عبر النافذة، في صوت البحر وهو يعيد للروح طمأنينتها.
“لا تلوميني إذا أحببتك كأنني سأموت غدا، لا تلوميني إذا انتظرتك كما تنتظر الأرض الجافة المطر، لا تلوميني إذا كان في صوتك موسيقى تجعل روحي تغني.”
حين قرأته، شعرت أن الحب ليس مجرد عاطفة، بل طريقة لرؤية الحياة، وأن الذين يحبون حقا يرون العالم بشكل مختلف.
لم يكن يكتب عن الحب العابر، بل عن الحب الذي يجعلك تشعر أنك تنتمي، أنك أخيرا وجدت وطنا داخل إنسان آخر.
لكن لماذا يحدث هذا؟ لماذا يمكن لكاتب أن يعيد تشكيلنا، أن يجعلنا نشعر بأماكن لم نزرها، بأشخاص لم نلتق بهم؟
وهنا، تذكرت إدريس.
إدريس.. النبي الذي رسم الكلمات بإصبعه على الطين
يقال إنه أول من كتب، لكنه لم يكن يملك قلما، ولم يكن هناك ورق. كان كل شيء بدائيا، الأرض صلبة، والسماء بعيدة، لكنه أدرك أن الأشياء التي لا تكتب تضيع، وأن الأثر الحقيقي لا يكون في الأقدام التي تمشي، بل في الحروف التي تحفر على الحجر.
“واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقًا نبيًا. ورفعناه مكانًا عليًا.” (مريم: 56-57)
لم يكن نبيا مثل غيره، لم يشق بحرا، لم يرسل بمعجزة ترى بالعين، لكنه ترك معجزة تراها القلوب: الكتابة.
في التوراة، قالوا إنه أخنوخ، الرجل الذي لم يمت، بل سار مع الله حتى أخذه إليه. في الإنجيل، قالوا إنه لم يعرف الموت، بل رفع حيا إلى السماء.
هل كان يدرك إدريس حين ضغط إصبعه على الطين أنه كان يفتح بابا لن يغلق أبدا؟
هل كان يعلم أن كل من سيكتب بعده، سيكون امتدادا له؟
وهل كنت أعلم أنا، حين أمسكت القلم للمرة الأولى، أنني لم أكن أكتب، بل كنت أبحث عن نفسي؟
الكتابة.. جلسة علاج سرية مع الروح
لم أخبر صديقي بذلك، لكنه لو سألني عن وجهتي أنا، لو سألني عن المدينة التي أسافر إليها كل يوم، لقلت له:
“أنا أسافر إلى الكتابة.”
لم تكن الكتابة مجرد وسيلة للتعبير عن الأفكار، بل كانت طريقة للنجاة.
كنت أكتب لأنني لم أجد وسيلة أخرى لترتيب هذا العالم في رأسي.
كنت أكتب لأن هناك أشياء نخجل من قولها بصوت عال، لكننا نجرؤ على كتابتها.
كنت أكتب لأن بعض المشاعر لا تكتمل إلا حين تتحول إلى كلمات.
دوستويفسكي علمني أن الكتابة قد تكون مؤلمة، لكنها ضرورية.
ونيرودا علمني أن الكلمات يمكن أن تحتضن، أن تحب، أن تكون أكثر دفئا من الأيدي التي تمسك بنا.
أما إدريس، فقد علمني أن الكتابة لم تكن يوما اختراعا بشريا، بل كانت أثرا إلهيا فينا، وحيا مستمرا لكل من يحتاجه.
لهذا، كلما شعرت أنني لا أفهم نفسي، كتبت.
لأن الكتابة لم تكن مجرد حروف، بل كانت جلسة اعتراف صامتة، غرفة مغلقة حيث تواجه نفسك دون خوف، دون تجميل، ودون حاجة لتبرير أي شيء.
لهذا، ربما لم يكن إدريس أول من اخترع الكتابة.
ربما، فقط ربما، لم يخترعها أحد.
ربما كانت الكتابة موجودة دائما، تنتظر أن يجدها كل من احتاج إليها، كما وجدتها أنا.