Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث

من أماكن صغيرةالبيت

الورطة ليست أنت

الصباح في بيتي، كعادته، يبدأ فوضويا، لكنه ينتهي ساكنا. كأن الضجيج لم يكن إلا وهما تبعثر في الهواء بعد مغادرة الأولاد إلى مدارسهم. أبدأ طقوسي اليومية، كمن يعيد ترتيب الفوضى إلى نظام: ألملم الأكواب التي بقيت شاهدة على أحلام الليل، أعيد الوسائد إلى أماكنها، كأنها لم تحضن رؤوسا صغيرة يزدحم فيها الكون بأسئلته، ثم أفتح النوافذ، أستدعي الهواء النقي ليغسل المكان من بقايا الطفولة المتمردة.

كنت أظن أن يومي سيمضي كما تمضي الأيام، بلا مفاجآت، بلا خيبات… حتى رن الهاتف.

اسم المدرسة يضيء على الشاشة.

تجمدت للحظة. قلب الأم لا يحتاج إلى أدلة، يعرف متى يتسلل القلق مثل ماء بارد في العروق. رفعت الهاتف، وألف سيناريو تدافع في رأسي: هل وقع أحدهم؟ هل أصيب؟ هل اندلع شجار؟ لكن الصوت على الطرف الآخر جاء حادا، خاليا من أي مقدمات:

“ابنك يحيى طرد من الصف. تعالي خذيه.”

هكذا، ببساطة. وكأن الأمر مجرد حقيبة تركت في غير مكانها، يجب استعادتها دون نقاش. لا شرح، لا تبرير، لا محاولة تفسير. كأن إخراجه من الفصل أعاد العالم إلى توازنه المزعوم.

أغلقت الهاتف، وقفت في منتصف المطبخ، ثم ضحكت ضحكة خافتة بيني وبين نفسي، ليست سخرية ولا تهكما، بل ضحكة من تعرف ابنها جيدا.

يحيى لا يطرد لأنه مشاغب، بل لأنه يحرج الكبار بأسئلته التي لا يملكون لها إجابة.

في طريقي إلى المدرسة، حاولت أن أرتدي قناع الأم الحازمة، أن أعد جملا تأديبية مثل: “يحيى، يجب أن تحترم معلمك!” أو “التعليم ليس مجالا للعبث!”

وصلت. كانت المدرسة أمامي، مبنى رمادي اللون، جدرانه باردة، كأنها لا تعرف كيف تعكس الدفء. عند باب الإدارة، كان يحيى واقفا، غير نادم، غير منكسر. لم يكن خائفا، لم يكن مطأطئ الرأس كطفل ارتكب جرما، بل كان يحدق في الأفق بنظرة من يعلم أنه لم يخطئ، لكنه يحاسب كما لو أنه فعل.

سألته، محاولة أن أبدو صارمة:

“ماذا فعلت هذه المرة؟”

رفع حاجبيه كأن السؤال ترف لا يستحق العناء، ثم قال بهدوء الواثق:

“الأستاذ كان يشرح عن ريادة الأعمال، لكن صوته كان كالنشرة الجوية، بلا حياة، بلا شغف. سألني لماذا لم أكن منتبها، فأجبته: كيف لمن يعمل من التاسعة إلى الخامسة أن يعلمني المجازفة؟ كيف لمن ارتضى الأمان أن يعلمني كيف تصنع المغامرة؟”

كانت كلماته كصفعة لطيفة على وجه الحقيقة. كيف ألومه؟ كيف أعاتبه على سؤال كنت أخجل من الاعتراف أنني سألته لنفسي ألف مرة؟

لقد درست، وحصلت على شهاداتي كما طلبوا، ولكن حين حان وقت الحياة، وجدت نفسي بلا دليل، بلا بوصلة. لم يعلمني أحد كيف أبدأ مشروعا، كيف أخسر وأعيد الوقوف، كيف أواجه المخاطر بيدي العاريتين. لم يعلمني أحد أن الأمان قد يكون وهما، وأن المغامرة وحدها تصنع الناجين.

يحيى لم يكن يعلم أن سؤاله كان أكثر من مجرد استفزاز لأستاذه، كان إعادة صياغة لرحلتي كلها.

حين عدت إلى البيت، جلست أقلب دفاتري القديمة، أبحث في قصاصات كنت أكتبها وأخفيها كمن يخبئ كنزا صغيرا لا يجرؤ على كشفه. تذكرت كلمات كارل ساغان:

“اذهب إلى روضة الأطفال، وستجد فصلا مليئا بعشاق التساؤلات. يسألون أسئلة عميقة: ما هو الحلم؟ لماذا القمر مستدير؟ ما هو عيد ميلاد العالم؟ إنها أسئلة عميقة ومهمة. لكن، اذهب إلى الجامعة… كارثة! لقد أصبحوا غير فضوليين تماما. كأن شيئا فظيعا قد حدث لهم بين الروضة والجامعة.”

هل كان ساغان يعلم أنني سأرى كلماته مجسدة في وجه ابني؟ أنني سأراها في نظراته، في سؤاله الذي لا يبحث عن إجابة بقدر ما يبحث عن حقيقة؟

نحن نطالبهم بالتفكير خارج الصندوق، ثم نغضب حين يكتشفون أن الصندوق ليس إلا سجنا.

نخبرهم أن المستقبل للذين يغامرون، ثم نخرجهم من الصف حين يجرؤون على التشكيك في المعلم.

نلقنهم منذ الصغر أن الأسئلة تصنع العظماء، ثم نعاقبهم عندما يكون السؤال أكبر من أفق الإجابة.

كندا علمتهم حرية التعبير، لكنها علمتني كيف أستمع.

حين خرجنا من المدرسة، شعرت أنني مطالبة بقول شيء، بأي جملة تربوية تشعره أن ما فعله خطأ، لكنني لم أجد ما أقول. كنت أمشي بجانبه، بصمت يشبه لحظة الإدراك، كأنني للتو أدركت أن الطرد لم يكن عقابا له، بل درسا لنا جميعا.

عند باب البيت، وقف يحيى، تنفس بعمق وكأنه يستعد لمعركة جديدة، ثم سألني بابتسامة ساخرة:

“إذن؟ هل أنا في ورطة؟”

نظرت إليه طويلا. رأيت في عينيه شيئا لم يكن هناك من قبل. ليس العناد، ليس الغضب، بل ذلك النور الخفي الذي يولد فقط حين يكتشف الإنسان أن طريقه بات أكثر وضوحا.

كان يجب أن أوبخه، أن أشرح له عن احترام النظام، عن ضرورة اتباع القواعد، لكن كيف أفعل ذلك وأنا التي صنعت كل ما لدي لأنني رفضت الالتزام بما لا يؤمن به قلبي؟

اقتربت منه، وضعت يدي على كتفه، ونظرت في عينيه مباشرة:

“الورطة ليست أنت يا يحيى… الورطة أنهم لم يفهموك بعد.”

رفع حاجبيه بدهشة، ثم ابتسم—ابتسامة من أدرك أن العالم لم يعد كما كان قبل دقائق.

فتح الباب، ثم التفت إلي للحظة، بعينين تلمعان ليس بالتحدي، بل بفهم جديد للحياة. لم يقل شيئا، لكنه ابتسم ابتسامة من يعرف أنه لن يكون تابعا أبدا.

دخل، وأغلق الباب خلفه بهدوء، وكأنه يعلن بداية فصل جديد من الحكاية.

ذلك اليوم، لم أقلق عليه بعد الآن. أيقنت أن ابني لن يكون تابعا… بل سيكون من يصنع الطريق للآخرين.

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازيأوكفيل - كندا · ٢٧-٢-٢٠٢٥