Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث

من أماكن صغيرةالبيت

نور البيت الناقص…

بدأت رائحة رمضان تفوح في الأجواء. لم يعد يفصلنا عنه سوى أسبوع، وكأن الهواء نفسه يحمل شيئا من تلك النفحات الدافئة، شيئا من الذكريات التي تستيقظ وحدها مع اقتراب الشهر الكريم. رائحة الخبز الساخن في الفجر، صوت المساجد التي تبدأ تهيئة الأرواح للطمأنينة، حكايات الجدات عن رمضانات مضت، وضحكات العائلة التي تملأ البيوت حياة وألفة.

لكن… في بعض البيوت، لا تكتمل الصورة. هناك أماكن فارغة على المائدة، هناك مقاعد باردة، هناك ضوء غائب كان يمنح كل شيء روحه، هناك انتظار لا يهدأ، وهناك قلوب تدعو كل ليلة أن يعود رمضان كما كان… مكتملا، مضيئا، عامرا بمن تحب.

في ذلك الصباح البارد، كنت أتصفح هاتفي بكسل المعتاد، أقلب بين الأخبار والمنشورات التي تزدحم بها وسائل التواصل، حتى وقعت عيناي على كلمات جعلتني أتوقف… منشور نجاح، الذي لم يكن مجرد كلمات، بل كان مرآة عاكسة لوجع أكبر من أن يكتب، وجع يملأ كل بيت فلسطيني، لكنه يظل متفردا في ألمه حين يكون وجعك أنت، حين يكون الحنين مرادفا لفقد لا ينتهي، حين يصبح البيت ناقصا، ليس لأن جدرانه تهاوت، بل لأن قلوب من يسكنونه باتت معلقة خلف قضبان باردة لا تعرف الرحمة.

وقفت أمام شاشة هاتفي للحظات، أقرأ كلمات نجاح مرارا، وكأنني أبحث في الحروف عن شيء يشبه السكينة، عن مساحة أتنفس فيها بعيدا عن هذا الاختناق الذي يجتاح القلب كلما مررنا بوجع جديد لا ينتهي. لكن كيف يمكن لحروف كتبت بالحنين أن تمنح الصبر بدلا من أن تفتت الروح؟

“نور البيت ناقص…”

وكأنها لم تقل مجرد جملة، بل فتحت بابا على ذلك الفراغ الكبير الذي يعيشه كل من ينتظر، على ذلك الركن من البيت الذي يظل باردا لأن صاحبه ليس هنا، على صوت الأمهات المبحوح الذي يتهدج في دعاء لا ينقطع، على الأرواح التي تجلس كل مساء تحدق في الباب، تنتظر أن يفتح، تنتظر أن يعود من لم يعد منذ سنوات.

أغمضت عيني، ورأيت وجه رحمة، أم نجاح… تلك المرأة التي كان اسمها دعوة مستجابة، والتي كنت أراها حين تزورنا في عمان، في بيت أهلي حيث تربيت. لم أزر فلسطين أبدا، لكنني كنت أشعر أنها تأتي إلي مع رحمة، مع صوتها، مع دفء كلماتها التي تشبه جذور الزيتون وحجارة البيوت القديمة، مع عينيها اللتين كانتا تحملان في داخلهما شيئا من الوطن، شيئا من التاريخ، شيئا من الحنين الذي لا يبهت.

كانت إذا تحدثت، شعرت أن صوتها يخرج من حجارة القدس العتيقة، من قباب المساجد، من الحكايات التي تحب الأمهات أن يروينها قبل النوم. كان وجودها طمأنينة، وكان دفء كفيها وطنا لمن ضاقت بهم الأرض. لم تكن تزورنا فقط، بل كانت تأتي محملة بأشياء لا تشترى ولا ترسل في الطرود… كانت تحمل رائحة فلسطين، دفء البيوت القديمة، روح الأرض التي لم أطأها لكنني كنت أحملها في قلبي. كنت صغيرة، لكنني كنت أشعر أن البيت يتغير حين تكون فيه، كأنها كانت تضيف إليه طبقة أخرى من الدفء، من الحب، من الألفة التي لا تصنعها الجدران، بل تصنعها القلوب التي تسكنه.

وكان أبي، رحمه الله، كلما تحدث عنها، تحدث عن طفولته هناك، عن كيف كانت عماته يدللنه وكأنه الطفل الوحيد في العالم، عن كيف كانت جدته تجبرهن على حمله من المدرسة وإليه كي لا يتعب، عن كيف كان حضن العائلة يتسع لكل شيء، إلا الفراق. لكنه لم يكن يعلم أن الفراق سيأتيه على دفعات، أن الأيام ستسرقه من أرضه، ثم ستسرق منه الأحبة واحدا تلو الآخر، حتى يغدو وحيدا في ذاكرته، محاطا بأشخاص لم يعودوا هنا، بأصوات صارت تأتيه فقط في الأحلام.

رحلت رحمة أولا، ثم لحق بها أبي بعد سنوات، وكأن الحياة أرادت أن تعلمني درسا قاسيا عن الفقد، عن كيف يكون الغياب دائما أعمق مما نتوقع، عن كيف أن بعض الأشخاص لا يمكن أن يعوضوا، وأن بيوتنا، مهما ازدحمت، ستظل ناقصة حين يرحلون.

واليوم، نجاح تكتب، وأشعر أننا رغم المسافات، نحمل ذات الوجع.

“الشوق بزيد كل يوم، مستنيكم يمه…”

كيف يكون رمضان بدون أصواتهم؟ كيف يمر المساء دون أن تكتمل الأحاديث حول المائدة، دون أن يعودوا بعد التراويح ليحملوا أكياس الحلوى، دون أن يمتلئ البيت بالضوء الذي لا تصنعه الكهرباء، بل تصنعه الأرواح التي تحبه؟

في فلسطين، كل بيت ناقص، ليس لأن الجدران تهدمت، بل لأن الغائبين يتركون وراءهم مساحات باردة، مقاعد فارغة، وأمهات يحدقن في السماء كل ليلة كأنهن يسألنها: “متى يعود القمر؟”

لكننا صامدون… “ضايلين صامدين لحد ما ترجعو”، تقول نجاح، وكأنها تمسك بهذا الأمل بأطراف أصابعها، تخاف أن يسقط، تخاف أن ينكسر، لكنها لا تتركه. وفي فلسطين، لا نعرف كيف نترك الأمل حتى لو كان هشا، حتى لو كان معلقا بين قيد ونافذة ضيقة يدخل منها الضوء بصعوبة.

بقي أسبوع على رمضان… وما زالت الأمهات تحلم بعودة الغائبين، وما زالت القلوب تحمل في داخلها رجاء لا يخفت، ودعاء لا يتوقف. بقي أسبوع، وما زالت البيوت تتهيأ، حتى تلك التي تعرف أن موائدها ستكون ناقصة، حتى تلك التي تعلم أن صوتا ما لن يسمع هذا العام، ولا العام الذي يليه. بقي أسبوع، وما زال في فلسطين بيوت تفتح نوافذها كل مساء كأنها تقول: “لعل أحدهم يعود.”

لكننا في فلسطين، وفي كل مكان يحيا فيه القلب بروحها، تعلمنا أن الأمل ليس رفاهية، بل هو ضرورة للبقاء. تعلمنا أن الصبر هو اللغة التي تتحدث بها الأمهات اللواتي يبتلعن دموعهن كل ليلة، ويستيقظن كل صباح وكأن قلوبهن لم تتمزق ألف مرة من قبل.

كل مساء، هناك أم تنتظر… وهناك أسير يحلم.

كل فجر، هناك دعاء يرتفع، وسماء تستمع.

كل يوم، هناك قلب يخبر قلبا آخر: “اصبر، النور لا بد أن يعود.”

لكننا نعلم أن النور في فلسطين ليس مجرد شعاع عابر، بل هو قلوب تنبض رغم الغياب، أصوات لا يخفت صداها خلف القضبان، وأمل متجذر كجذور الزيتون… لا يقتلع.

اللهم فرجها على أولاد نجاح، وعلى كل الأسرى، واجعل هذا الشوق جسرا للقاء، لا جرحا جديدا في القلب. اللهم اجبر كسر نجاح، وكسر قلب كل أم فلسطينية تنتظر، وأعد إليها أبناءها كما يعود النور بعد العتمة، وكما يعود القمر بعد الغياب… وكما لا يموت الوطن في قلوبنا مهما بعدت المسافات.

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازيأوكفيل - كندا · ٢٤-٢-٢٠٢٥