في كندا، حتى القمامة تحترم

في كندا، لا شيء يلقى اعتباطا، لا شيء يدفن بلا حساب. حتى القمامة تصنف، تفرز، تمنح فرصة أخرى إن استحقت، و تلقى بعيدا إن لم يعد لها مكان. هنا، لكل شيء نهاية مرتبة، لكل شيء نظام يحدد كيف يجب أن يرحل.
أتيت من بلاد اعتدنا فيها أن نترك الفوضى تأخذ مجراها، أن تتكدس الأعباء فوق بعضها دون أن يسأل أحد: هل آن أوان التخلص منها؟ نحن لا نفرز، لا نصنف، لا نقرر متى يجب أن نقول وداعا. كل شيء عندنا يبقى عالقا بين الممكن والمستحيل، بين الضروري والمهمل، بين ما يدفن تحت السجادة وما يطاردنا لسنوات.
ترمى الأشياء حيثما اتفق، تكدس الأحلام في زوايا القلب كما تتكدس النفايات على الأرصفة. نلقي بالمشاعر كما نلقي قشور الفاكهة، بلا اكتراث، بلا وداع، بلا تصنيف.
أما هنا، فحتى القمامة لا تعامل بهذه العشوائية. لكل شيء مصير واضح، لكل شيء قانون يحدد كيف يجب أن ينتهي.
الجمعة… موعد التخلص من الفوضى
أنتظر يوم الجمعة من كل أسبوع وكأني على موعد غرامي مع الخفة. تبدأ معركتي الصغيرة مع أولادي لإخراج النفايات، حيث يصبح إفراغ الصناديق طقسا مقدسا، كأننا نجرد المنزل من أعبائه، نغسله من أشيائه التي لم تعد تنتمي إليه.
لكنني أتساءل: هل كنت أفرز القمامة أم كنت أفرز أيامي؟ هل كنت أخرج النفايات أم كنت أتخلص من بقايا أسبوعي؟
ثم أعود وأسأل نفسي: هل نحن في بلادنا نملك هذا الامتياز؟ هل نملك رفاهية أن نقرر متى نتخلص من أشيائنا؟ متى نرمي أثقالنا بعيدا؟
في بلادنا، نعيش مطوقين بالقواعد التي تفرض علينا في كل زاوية، داخل البيوت وخارجها. لا نملك رفاهية اختيار متى نتكلم أو كيف نفكر، متى نبقي ومتى نقصي. هناك، لا نفرز حياتنا… بل نحن من يفرز. يصنفوننا منذ الولادة، يحددون لنا من نكون، كيف نعيش، وما الأفكار التي يجب أن نظل نحملها في رؤوسنا حتى لا نزعج أحدا.
أما هنا، فحتى القمامة تجد طريقها بوضوح. أما نحن، فكم من الأشياء نحملها معنا دون أن نجرؤ على رميها؟
كيف تصنف الحياة خساراتنا؟
في كندا، القمامة تخضع لقوانين صارمة، كما لو أنها انعكاس دقيق لحياتنا:
• الصندوق الأخضر – الأشياء التي تستحق فرصة أخرى.
بقايا الطعام، تفل القهوة، الورق الملطخ بالزيت… كل ما كان يوما نابضا بالحياة يعاد إلى الأرض ليولد من جديد. كأن الحياة تأبى أن يكون الفناء مطلقا، كأن بعض الأشياء تستحق العودة من حافة النسيان.
• الصندوق الأزرق – الأشياء التي يمكن إعادة تشكيلها.
الزجاجات الفارغة، الأوراق، البلاستيك، كل ما يمكن صقله وإعادة تعريفه يمنح فرصة أخرى ليعود مختلفا لكنه يحتفظ بجوهره. تماما مثل أولئك الذين يعيدون بناء أنفسهم بعد كل سقوط، يغيرون أشكالهم لكنهم يظلون محملين بندوب الماضي.
• الصندوق الأسود – النهايات المطلقة.
حيث تلقى الأشياء التي فقدت صلاحيتها، التي لم تعد تصلح للحياة، التي لا يمكن إصلاحها أو إعادة تدويرها. كما نرمي العلاقات التي ماتت منذ زمن لكننا تأخرنا في دفنها، وكما نلقي الأحلام التي تمسكنا بها أكثر مما يجب حتى تحولت إلى عبء ثقيل. هنا، لا يوجد بعث، لا فرصة أخرى، فقط نسيان بطيء، وزوال لا رجعة فيه.
• النفايات الخارجية – الأشياء التي ماتت بصمت.
أوراق الأشجار، مخلفات الحدائق، تلك التي سقطت دون ضجيج، لم يلتفت إليها أحد، ولم تترك أثرا يذكر. مثل قصص الحب التي انتهت قبل أن تبدأ، مثل الوجوه التي مررنا بها دون أن نحفظ أسماءها، مثل الأشخاص الذين ماتوا داخلنا قبل أن نخبرهم أننا لم نعد نشعر بوجودهم.
• الأشياء الضخمة – الخيبات الثقيلة.
تلك التي تحتاج إلى مركبة خاصة لتحملها بعيدا، لأن حملها وحدك قد يكسر ظهرك. مثل الخسائر التي لا نستطيع مواجهتها وحدنا، مثل الذكريات التي تحتاج إلى قوة أكبر من طاقتنا كي نتخلص منها.
حتى التخلص من الماضي يحتاج إلى موعد
• الصندوق الأخضر والصندوق الأزرق يخرجان مرة كل أسبوع. كأن الأشياء التي كانت يوما جزءا من حياتنا لا يجب أن تبقى طويلا، لا يجب أن تتراكم داخلنا حتى تفسد الهواء الذي نتنفسه.
• الصندوق الأسود يخرج مرة كل أسبوعين. لأن بعض الأشياء تحتاج إلى وقت إضافي قبل أن نقول لها وداعا، كأننا نحتاج أن نقتنع تماما أنها لم تعد تصلح للبقاء.
• النفايات الخارجية تخرج مرة كل شهر. كأن التخلص من بعض الذكريات يحتاج إلى وقت أطول، كأن بعض الفصول لا تطوى بسهولة.
أما التوقيت؟ فهو صارم كحكم نهائي.
القمامة لا تخرج متى شئت، بل بعد السادسة مساء، وقبل التاسعة صباحا. لا قبل، لا بعد. لأن لكل شيء في هذا المكان إيقاعه الخاص، حتى النهاية تحتاج إلى موعد محدد، حتى الفوضى ممنوعة من دخول هذا النظام.
لكن ماذا لو أخطأت؟
ماذا لو خلطت الأوهام ببقايا الطعام؟ ماذا لو حاولت التخلص من شيء لم يحن وقته بعد؟
لن تغفر لك زلتك. ستفتح أكياس القمامة بصمت، تراقب بعيون مدربة، فإذا لم يكن كل شيء في مكانه الصحيح، سترفض القمامة كما ترفض الأخطاء التي لا يمكن التهاون معها.
سيترك لك عامل النظافة ورقة صفراء، كأنها حكم نهائي لا استئناف له:
“فصلكم للنفايات غير صحيح. لن نأخذ القمامة.”
وهكذا، ستظل هناك، مهجورة أمام بيتك، شاهدة على خطيئتك، وكأن الحياة تقول لك: “عد إلى الداخل، أعد ترتيب فوضاك، تعلم كيف تضع الأشياء في مكانها الصحيح، ثم جرب مرة أخرى.”
أما إن كنت مستعجلا، إن كنت تريد التخلص من قمامتك فورا، فعليك أن تتحمل العقوبة بنفسك. يمكنك أن تقود لساعات إلى مكب النفايات، أن تدفع أربعين دولارا عن كل جولة، لأن حتى التخلص من الفوضى له ثمن.
لكن من يعيد تدويرنا؟
في كندا، القمامة تحظى بامتياز الموت المنظم، لا تترك للصدفة، لا تبعثر كيفما اتفق. هناك دائما يد تأخذها إلى حيث يجب أن تذهب.
أما نحن، فمن يعيد تصنيفنا؟ من يحدد لنا متى ننتهي؟ أين يدفن ما لم يعد صالحا للبقاء في أرواحنا؟
أنا التي تنتظر يوم الجمعة بشغف غريب، لا أعرف إن كنت أفرز القمامة أم كنت أفرز روحي. هل كنت أخرج النفايات أم كنت أتخلص من عبء أوجاعي؟ هل كنت أفرغ الصناديق أم كنت أفرغني؟
نحن الذين نحمل أشياء انتهت منذ زمن، نعيد تدوير الأوجاع حتى تصبح جزءا منا، ثم نتساءل لماذا لا تستطيع أرواحنا المضي قدما.
لكننا لسنا قمامة. لا أحد سيعيد تدويرنا.
إما أن نتعلم كيف نرمي ما يجب أن ينتهي، أو سنعيش العمر كله نحمله معنا، كخسارة لم تجد من يأخذها.