Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث

من أماكن صغيرةالطريق

ثقيل كفاية ليسقط

قبل أن أتعلم طقوس شاي المساء في لندن، قبل أن أرى المدينة وهي تتنفس المطر كأنها تخلع معطفها الرمادي لتكشف عن طبقاتها الخفية، كنت أقف كل صباح عند زاوية الشارع، أراقب العالم وهو ينهض متثاقلا من نومه، بانتظار الباص رقم ٥ مع أخي الكبير.

كنا نعيش في ضاحية الرشيد في عمان، ووجهتنا كل صباح كانت مدرسة في الجبيهة. لم يكن الطريق بينهما طويلا، لكنه في الشتاء كان يبدو كمتاهة من الضباب والزجاج المبلل، حين كانت أنفاس الصباح تطبع وشاحها البارد على النوافذ، وكنت بأصابعي الصغيرة أرسم أشكالا عشوائية، سرعان ما تمحوها قطرات المطر.

لكن لم يكن مجرد باص.

كان نافذة صغيرة نطل منها على العالم.

ولم يكن يقوده مجرد سائق.

العم أبو عصام.

كان وجهه سمحا، ممتلئ البنية .رجل يحمل في ملامحه قصصا لم ترو بعد، بدا لنا كأطفال كأنه خرج من حكايات الجدات، رجل لا يقيس الزمن بالساعات بل بحكايات الطريق. لم يكن طاعنا في السن، ربما أواخر الأربعينات أو أوائل الخمسينات، لكننا رأيناه أقدم من ذلك، كأنه عاش ألف حياة قبل أن يصل إلينا. بشرته سمراء، ليست تلك السمرة التي توهب جينيا، بل تلك التي تمنح لمن لم يكن له ظل كاف للاحتماء من الشمس. لحيته طويلة، بيضاء، تتخللها خيوط سوداء كأنها ندوب زمن لم يمح تماما. لم يكن يرتدي شيئا لافتا، مجرد حطة بيضاء و عقال أسود، لكن هيبته كانت مغروسة فيه، لا في ملابسه.

أما صوته، فكان رواية بحد ذاته.

فلسطيني بلهجة قحة، على الأرجح من عرابة جنين، حيث القاف لا تنطق، بل تلغى، كأن اللغة بين شفتيه تتنفس بطريقة مختلفة، لا كما أرادها النحاة. كان يقول “بغدرش” بدل “بقدرش”، وكأن الحياة جعلت الحروف تتشكل وفق نبضها، لا وفق قواعدها.

لكن التناقض الأعظم كان في يديه.

كبيرتان، خشنا الملمس، تحملان آثار السنين وعجلة القيادة، لكنه حين يمسك القلم، كان يفعل ذلك برقة لم أكن أفهمها حينها. كان من أمهر الخطاطين الذين رأيتهم، كأن خطه مخطوطة قديمة، كأن الكلمات لديها أرواح، ويجب التعامل معها برفق.

وفي كل صباح، كانت هناك جملة جديدة.

في مقدمة الباص، حيث تتدلى سبحة قديمة، كان يعلق حديثا نبويا جديدا كل يوم. لم تكن مجرد كلمات تملأ بها المساحات الفارغة، بل كانت دروسا صغيرة، تمر بنا يوميا، دون أن نعرف أنها ستبقى معنا إلى الأبد.

وذات صباح، وقعت عيناي على حديث لم أسمع به من قبل.

“لا يدخل الجنة جواظ.”
لم أفهم.

سألته، وأنا أرفع رأسي من المقعد الخلفي:
“شو يعني جواظ؟”
التفت عبر المرآة، ابتسامته الهادئة سبقت كلماته، وقال:
“يا بنيتي، الجواظ هو الذي لا يرى إلا نفسه. الذي يمشي كأن الأرض مفروشة له، وكأن البشر مجرد خلفية لمسرحه الخاص. هو الذي تنتفخ روحه بنفسه حتى لا يترك في صدره مساحة لغيره.”
كان تفسيرا بسيطا، لكنه التصق بذهني كما يلتصق الحبر الجيد بالورق.

لم أكن أعرف حينها أنني سأعود لهذا الحديث بعد سنوات، بعيدا عن الباص رقم ٥، في مدينة تعج بالجواظين أكثر مما تخيلت.

لكن في ذلك الوقت، كنا نشعر أننا محظوظون.

كأن العم أبو عصام كان هدية الصباح لنا، كأن الباص رقم ٥ كان وطنا صغيرا على عجلات، كأننا كنا نعرف أن ما نملكه في تلك اللحظات، في تلك الضحكات العابرة، في تلك القصص التي كنا نتلقاها دون أن ندرك قيمتها، كان امتيازا لم يحصل عليه الجميع.

كنا أطفالا لا نفهم معنى الحظ، لكننا كنا نعيش شعوره.

كنا نملك صباحا مختلفا عن الآخرين، طريقا مليئا بالحكايات بدلا من الصمت، وسائقا لم يكن مجرد رجل خلف المقود، بل كان حكيما بلا عرش، نبيا بلا معجزات، رجل يحمل في صوته حنو الأوطان البعيدة، ورائحة الأرض التي لم يستطع العودة إليها.

لم يكن الباص مجرد وسيلة نقل.

كان سفينة تبحر بنا بين الضباب، توصلنا إلى مدرستنا ، لكنها تترك فينا أثرا لم نكن نعرف أننا سنحمله معنا إلى الأبد.

لندن وفندق لانسبرو
في لندن، كل شيء رمادي.

السماء، الشوارع، حتى الأرواح التي تمر بها لا تحمل لونا، كأن المدينة تمتص الدفء من كل شيء، كأن البرد هنا ليس طقسا، بل عقيدة. المطر لا يهطل، بل يتسلل بخجل، كأن السماء تتردد في منح الأرض شيئا منها.

لندن لا تحتفي بالعابرين، بل تتجاهلهم. تمنحهم شعورا زائفا بأنهم جزء منها، ثم تمضي دون أن تلتفت. هنا، لا أحد يترك أثرا، حتى أولئك الذين يمتلكون كل شيء لا يستطيعون امتلاكها حقا. حتى الفخامة هنا ليست استعراضا، بل همسا، كأنها خائفة من أن يكشف زيفها.

لندن مدينة لا تمطر، بل تتنفس المطر.

الضباب ليس مجرد ظاهرة جوية فيها، بل جزء من روحها.

شوارعها ليست طرقا، بل صفحات من رواية تاريخية مستمرة، أبطالها يتغيرون، لكن روحها تبقى. في كل زقاق، هناك قصة لم تكتب بعد، في كل نافذة مضاءة، سر صغير يخص شخصا لن تعرفه أبدا.

وفي قلبها، بين هايد بارك ومايفير، يقف فندق لانسبرو.

لكنه لم يكن فندقا دائما.

كان مستشفى عسكريا.

هنا، في نفس القاعات التي تقدم فيها أفخر أنواع الشاي، كان الجنود ذات يوم يعالجون من جراح الحروب التي لم يختاروها. هنا، كانت ذات الجدران تسمع أنين الرجال الذين لم يعودوا كما ذهبوا.

الآن، لم يبق من ذلك المستشفى سوى الجدران ذاتها. لكني حين دخلت، شعرت أن شيئا من تلك الذاكرة لم يمح تماما.

المكان يشبه متحفا، لكنه لا يعرض لوحات، بل أشخاصا اعتادوا أن يكونوا لوحات بأنفسهم.

جلست في ردهة الفندق، حيث الأناقة ليست صاخبة، بل هامسة.

على الطاولة أمامي، كانت صينية شاي المساء الإنجليزي موضوعة بدقة كأنها جزء من طقس لا يقبل العبث.

شاي المساء ليس مجرد مشروب، بل طقس بريطاني أصيل.

أباريق فضية تلمع تحت الأضواء، أكواب بورسلين مزخرفة تشعر من يمسكها وكأنه يلامس تحفة فنية، سكونز دافئة تتشقق عند لمسها، ليظهر قلبها الطري، تدهن بالكريمة الثقيلة والمربى، في تباين يجعل كل قضمة مزيجا من الحلاوة والملمس الكريمي الناعم.

شطائر صغيرة من السلمون المدخن بلونه الوردي، يزينها كافيار أسود متلألئ كالأحجار الكريمة، تتناغم مع أخرى محشوة بشرائح الخيار الرقيقة، الشفافة كزجاج أخضر، مغمورة في طبقة ناعمة من الجبن الكريمي، لتخلق مزيجا فاخرا من النكهات والقوام.

كنت أرفع الكوب إلى شفتي، حين دخل هو.

لم يكن وحيدا، لكنه كان وحده.

الرجل الذي لم يكن رجلا.

دخل كأنه إعلان عن نفسه.

كأن المكان لم يكن مكتملا قبله، كأن الهواء لم يكن كافيا ليملأ الغرفة حتى خطا أول خطوة.

كان طويلا. أكثر مما ينبغي.

لم يكن طوله مجرد صفة، بل استعراضا، كأنه طريقة أخرى ليخبر الجميع أنه فوقهم.

بدلة بيضاء، ناصعة، مستفزة، لا تنتمي إلى هذا الطقس الرمادي.

الأبيض كان صفعة وسط هذا المكان، لونا لا يخص المطر، لا الغيوم، لا البلل الذي يتشبث بكل شيء. لكنه ارتداه، لا لأنه يحب الأبيض، بل لأنه أراد أن يكون الشيء الوحيد الذي يراه الجميع.

وراءه، أو حوله، أو ربما كإمتداد لظله، أربع نساء.

كن يملن نحوه كما تميل النباتات نحو الشمس،
لكنهن لم يكن نساء.

كن تماثيل صممت بعناية، شعر أشقر مصفف، عظام وجوه منحوتة بتكلفة عالية، عيون باردة كأنها زجاج نوافذ لندن.

لم يكن معه، بل حوله، كأقمار تدور حول كوكبها الأكبر، بمدارات ثابتة لا تقترب أكثر مما ينبغي، ولا تبتعد أكثر مما يجب.

لكنه لم يكن يراهن.

لم يكن يرى أحدا على الإطلاق.

تذكرت الحديث.

“لا يدخل الجنة جواظ.”
رأيته كما رأيت ترامب يوم وقف في البيت الأبيض، محاطا بالقساوسة الذين وضعوا أيديهم على رأسه كأنهم يمنحونه صك الغفران.

ترامب، الذي لم يعتذر يوما، لأنه لم يؤمن أبدا بأنه أخطأ. ترامب، الذي لم ير البشر، بل رأى جماهيرا صنعت لتصفق له.

ترامب، الذي يمشي كأن العالم ملك له، الذي يتحدث كأن كل ما يقوله هو الحقيقة المطلقة، الذي يؤمن أن كل شيء يمكن شراؤه—حتى الأوطان.

ترامب،سيسقط، لا لأن أحدا دفعه، بل لأن وزنه أثقل من أن يحمله أي شيء.

وهكذا كان الأمير.

السقوط ليس لحظة، بل نتيجة.

الكبر لا يسقط فجأة. إنه يبدأ بالذوبان ببطء، كثلج يقف تحت شمس لا يراها.

الجواظ لا يسقط لأنه تعثر. بل لأنه كان يسقط منذ اللحظة التي ظن فيها أنه لن يسقط أبدا.

“لا يدخل الجنة جواظ.”
لأن الجنة لا تحتمل الثقل. الجنة خفيفة، يدخلها من تخلص من كبريائه، من فهم أن الأرض ليست ملكه، بل أنه مجرد عابر فيها. أما الجواظ، فلا يستطيع الصعود، لأنه يحمل من الغرور ما يجعله أثقل من أن يرتفع.

الله يكره المتكبرين.

لأن الكبر هو أول خطيئة عرفتها السماء، لأن إبليس لم يطرد لأنه سرق، ولا لأنه قتل، بل لأنه تكبر.

الله لا يحب المتكبرين، لأنهم يعتقدون أنهم يملكون الأرض، لأنهم يتوهمون أن الحياة تدور حولهم، لأنهم ينسون أنهم مهما كانوا، هم في النهاية مجرد ظلال ستمحى عندما تشرق الشمس.

رأيت الأمير، ورأيت ترامب.

رأيت نفس الرجل، نفس الفكرة، نفس المصير.

رأيت رجلا يقف على حافة هاوية، لا يعلم أنه قد بدأ بالسقوط منذ زمن.

ارتشفت رشفة أخرى من الشاي.

كان قد بدأ يبرد، لكنه لم يفقد نكهته.

تماما كالحياة، تفقد حرارتها أحيانا، لكنها تظل مليئة بالنكهة لمن يعرف كيف يتذوقها.

أما الجواظ…

فلو شرب أنهار الدنيا، سيبقى عطشانا إلى الأبد.

أما نحن…

أطفال الباص رقم ٥، فقد كنا محظوظين.

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازياوكفيل - كندا · ١٦-٢-٢٠٢٥