العائد من الغيم

في مطار بيرسون بتورونتو، حيث الوجوه متعبة، والأصوات متداخلة بلغات شتى، وقصص المغادرين لا تروى إلا في نظراتهم الأخيرة إلى الخلف. هناك، في ذلك الفضاء البارد، كنت أجر حقيبتي كمن يجر قلبه، مستعدة لرحلة أخرى بين الغياب والعودة، بين المسافات التي لا تقاس بالكيلومترات، بل بما تتركه خلفك وما تحمله معك.
عند الإقلاع، شعرت بذلك الانسحاب العجيب من الأرض، ذلك الإحساس الذي يذكرك بأنك مجرد نقطة عابرة في اتساع الكون. كل شيء يتضاءل أسفل جناح الطائرة، البيوت، الطرق، البشر، كأن الحياة كلها تختزل في مشهد منمنم داخل نافذة مستطيلة.
ثم جاءت اللحظة التي أنتظرها دائما… الغيوم.
كم مرة تمنيت أن ألمسها؟ أن أمد يدي وأتحسس نعومتها كما يتلمس الطفل الحرير لأول مرة؟ لكنها، مثل الكثير من الأحلام، تبدو قريبة لكنها تفلت بين أصابعك كلما حاولت الإمساك بها. الغيوم كائنات حائرة بين الماء والهواء، مثلي تماما، عالقة بين أماكن متعددة، تبحث عن وطن ثابت لكنها تدرك أنها خلقت للحركة، للتلاشي، للذوبان في فضاء أكبر منها.
هناك، فوق الأرض، يكون الإنسان أقرب إلى الله، ليس لأنه صعد عاليا، بل لأنه أدرك كم هو صغير، كم هو هش، كم أن الحياة كلها مجرد نبضة بين إقلاع وهبوط. في الطائرة، لا أحد يملك السيطرة، ولا أحد يستطيع العودة أدراجه. الرحلة بدأت، وعليك أن تكملها، مهما كان شعورك، مهما كان الاتجاه الذي تأخذه الرياح.
ثم جاء الإعلان عن الهبوط في عمّان.
في اللحظة التي لامست فيها عجلات الطائرة المدرج، شعرت بذلك الارتطام الخفيف الذي يشبه عودة الذاكرة فجأة بعد نسيان طويل. فتح باب الطائرة، وكان كل شيء مختلفا… حتى الهواء.
هواء عمّان ليس مجرد هواء، إنه ذاكرة محمولة في الريح. فيه رائحة المطر الذي غسل الشوارع القديمة، رائحة التراب الدافئ في صباحات الشتاء، رائحة الياسمين الذي يتسلق الجدران بصبر العاشق. إنه ليس مجرد أكسجين، إنه نفس الوطن، ذلك الشيء الذي يشعرك أنك رغم كل ما تغير فيك، ما زلت تنتمي، ما زلت تعرف هذا المكان، وهذا المكان يعرفك.
عند بوابة المطار، شاهدت وجوه العائدين، بعضهم يبكي، بعضهم يضحك، وبعضهم يقف حائرا كأنه لم يصدق أنه عاد. كنت من الفئة الثالثة… لأنني لم أكن أعلم إن كنت قد عدت حقا، أم أنني ما زلت تائهة بين الغيوم، بين الأماكن، بيني وبين نفسي.
لكنني ابتسمت… لأنني أدركت أخيرا أن السفر الحقيقي ليس في الأميال التي تقطعها، بل في الرحلة التي تأخذها داخلك، في إدراكك أن الغيوم وإن بدت بلا وطن، فهي في النهاية تعود، بشكل أو بآخر، إلى المطر.