Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث

من أماكن صغيرةالذاكرة

شكرا… وصلت.

كان أبي طبيب توليد.

رجلا يعرف الحياة من أول صرخة.

يحملها بيديه حين تخرج دامعة، ثم يسلمها لأمها… ويخرج.

لكنه، في البيت، كان زارعا.

يبدل معطفه الأبيض بالتراب،
ويستبدل صوت المواليد بصمت الأرض.

قال لي يوما وهو يغرس شتلة صغيرة في حديقة بيتنا:
“هاي شجرة فستق حلبي.

ما رح تعطي حب، إلا بعد ١٠… يمكن ١٥ سنة.

بس أول حبة منها… إلك.”
كنت صغيرة،
أضحك حين يقول أشياء طويلة الأمد.

لكنه لم يكن يزرع شجرة،
كان يزرعني.

الفستق الحلبي لا يشبه باقي الأشجار.

لا يثمر سريعا،
لا يجامل المواسم،
ولا يرضي الزارع المستعجل.

يحتاج أرضا تعرف كيف تصبر،
ويزهر متأخرا… مثل الذين يحملون الحكاية في دمهم.

أصله من حلب.

مدينة تشبه بذور فستقها:
لا تفتح إلا ببطء،
ولا تعطي طعمها إلا لمن انتظر.

في حلب، لا يقولون: “ازرع”،
بل يقولون: “اصبر”.

فالشجرة هناك تثمر متى شاءت،
لا حين يطلب منها.

ثم… تركنا البيت.

هاجرنا.

بعنا الحديقة.

وخرجنا دون أن نلتفت.

نسينا أن في الأرض وعد،
وفي الشجرة ذاكرة.

ومنذ ذلك اليوم، لا أعرف…

هل أثمرت؟

هل نجت؟

هل سقطت؟

هل تذكرت أن أول حبة… كانت لي؟

قبل أيام، كنت في بيت صديقتي من إربد.

في بيتها، كان المطبخ أشبه بمقام.

كل حركة فيه تشبه الصلاة،
وكل نفس منها يشبه وصفة قديمة لا تدون، بل تحفظ في الصدر.

أعدت لنا أرزو بالجمبري،
ونثرت فوقه فستقا حلبيا كثيرا،
كأنها لا تطهو… بل تزرع شيئا طيبا فينا،
كأنها ترمم العالم بحفنة من الحنين.

وفي منتصف الطاولة،
وضعت غصنا يابسا،
ملفوفا بخيوط صوف ملونة،
بلا شرح، بلا عنوان.

ما سألتها عن الغصن،
ولا هي قالت شيئا.

يابس، بسيط،
كأن الغابة نسيته… فتذكرته هي.

لفته بخيوط كأنها صلاة دون صوت،
ووضعته بهدوء في المنتصف، كما توضع إشارات لا تفهم بالعقل.

لم ألتفت إليه فورا،
لكن شيئا فيه جعلني أبتلع اللقمة ببطء.

لم يكن زينة.

كان يشبه ما لا يعود،
لكنه لا يزول.

كان يد أبي حين غرس،
ونظرة لم أعد أذكرها… لكنني أفتقدها.

لم يكن الغصن،
بل ما يتركه الغصن في القلب… بعد أن يجف.

بعد يومين، كنت في مطعم بكندا.

عشاء نسائي،
كأن الغربة رتبته كاعتذار صغير على ما سلبته منا.

أنا، وأفغانستان،
وكردستان،وفلسطين
وإيطاليا،
وكندا التي ما زالت تبحث عن نفسها.

كل واحدة تحمل أما غائبة،
وقصة لم تكتب.

ضحكنا كما تضحك الناجيات… حين لا يجدن غير الضحك طريقة للنجاة.

طلبت طبق سمك الكود، مغطى بطبقة من فستق حلبي.

ولما وصلت، لم أره.

رأيت أبي.

رأيت الشتلة.

رأيت التراب، ورأيت نفسي وأنا أركض حولها حافية.

قضمت قطعة،
وسمعت في داخلي صوتا يقول:
“أول حبة… وصلت.”
جاء وقت الحلوى.

خيرتنا النادلة بين كعكة التمر بالتوفي، أو كعكة الأناناس المقلوبة.

فقلت:
“كعكة الأناناس… ليست مجرد حلوى.

هي ذاكرة على هيئة قالب.”
في طفولتي،
كانت أمي تفتح علبة الأناناس كأنها تفتح شيئا من الحلم…

ترص الشرائح بعناية،
تصب الخليط، وتدخل الكعكة إلى الفرن بصمت الأمهات حين يخفين التعب.

وحين تخرج،
كانت تسقيها بعصيرها.

لا لتطرى،
بل لتبقى.

لم تكن تصنع حلوى.

كانت تترك لنا طعما يذكرنا…

أن الحب أحيانا، يخبز.

قالت الإيطالية:
“نحن نضع كرزا في المنتصف. الشكل عندنا هو الأهم.”
نظرت إليها، وقلت:
“أنتم تزينون المنتصف.

ونحن نحاول فقط… أن نملأ الفراغ.”
قالت صديقتي من أفغانستان،
بصوت لم يكمل الضحكة:
“نحن… لم يكن لدينا لا أناناس، ولا كرز
كان لدينا الفرن.

لكن بلا شيء نضعه فيه.”
في تلك اللحظة،
شعرت أن قلبي كان هو القالب.

وأن كل حكاية منهن… كانت شريحة مني.

وأن الحلوى… لا تأتي في آخر الوجبة،
بل في آخر العمر.

ليلتها، عدت إلى البيت.

وكانت الرائحة لا تزال على أصابعي.

ليست من السمك،
ولا من الحلوى،
بل من شيء أقدم من كندا…

وأقرب من ذاكرتي.

جلست في المطبخ.

وفكرت بصديقتي الإربدية،
كيف تطهو بنية لا تشبه سوى الأمهات.

كيف وضعت الغصن في المنتصف، دون شرح.

والآن فقط، فهمت.

هي لم تضع الغصن كزينة،
بل كعلامة.

الغصن هو الشجرة التي زرعها أبي.

هو جسده حين تعب.

هو أنا… حين انتظرت شيئًا لم يعد.

أنا لا أعرف إن كانت الشجرة قد أثمرت.

ولا أعرف من قطف الحبة الأولى.

لكنني أعرف هذا:
نحن لا نقطف الثمار من الشجر فقط.

بل من الناس.

من وجبة فيها جمبري وحنين.

من كعكة فيها أناناس وعينان تلمعان.

من غصن في منتصف الطاولة… لم يسأله أحد.

أبي قال:
“أول حبة ستكون لك.”
وأنا الآن،
بعد الغربة، والعشاء، وكل ما لم نسمه فقدانا…

أقول له:
شكرا. وصلت.

لكنها لم تكن في يدي،
كانت في قلبي.

وكنت أنا — دون أن أدري —
الثمرة.

لروحه الرحمة ..

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازيأوكفيل، كندا · ١-٦-٢٠٢٥