Hala Hijazi Studio
لنبدأ الحديث

من أماكن صغيرةالبيت

لو…

سألني يحيى ذات مساء، بصوته الذي يحمل براءة الاسئلة الكبرى:
«ماما، لو عاد عمرك ستة عشر عاما، ماذا كنت ستغيرين في حياتك؟»

ضحكت.

ثم سكت.

ثم قال كأنه يتابع فكرة لم تكتمل:
«بس ماما، ليه بيحكوا إن كلمة لو من عمل الشيطان؟»

فابتسمت، وقلت له بهدوء:
النبي قال ذلك يا يحيى، حين يتمنى الانسان ما فات باسى،
كأنه يعترض على قدر الله او يندم ندما يفتح منه باب الحزن.

لكن “لو” التي نقولها اليوم — ونحن نتأمل، او نتعلم، او نبتسم للماضي —
ليست من عمل الشيطان،
بل من عمل القلب حين يراجع نفسه بحب،
ويفهم ان الله كان يكتب له الخير من طريق آخر.

سكت قليلا، ثم قال:
«طيب ماما، لو في نصيحة وحدة بس…

جملة وحدة يحملها الواحد معه طول العمر، شو بتكون؟»

نظرت اليه طويلا، كأني اراه في كل اعمار الرجال الذين سيصيرهم لاحقا، ثم قلت:
“يا يحيى، لا تخف من ان تخسر او تخطئ… المهم ان تجرب.”
ثم اضفت بابتسامة تشبه صلاة:
لان من لا يغامر، يبقى واقفا امام الباب دون ان يعرف كم كان الجمال ينتظره في الداخل.

ربما لهذا، كل باب طرقته لاحقا كان امتدادا لتلك النصيحة الاولى.

“لو”… كلمة صغيرة، لكنها تفتح ابوابا كثيرة على ما لم يحدث.

في كل “لو” حنين الى يد الله حين غيرت طريقنا لنصل الى ما لم نكن نعرف اننا نحتاجه.

في كل “لو” خيط غير مرئي من رحمة.

ربما لهذا، صرت ارى الله في التفاصيل.

في الشجرة التي رأيتها البارحة على الرصيف،
تتدثر بمعطف محبوك من الصوف الملون،
كأن احدا خاف عليها من البرد.

في مكالمة FaceTime مع امي،
هي تشرب قهوتها في المساء، وانا في الصباح،
تفصل بيننا سبع ساعات من الوقت، لكن لا شيء من الحنين.

نتحدث، نضحك، ونتزهزه — كما تقول سيدات عرابة جنين —
تلك النميمة المحببة التي لا تقال لتشويه احد، بل لتذكير القلب بانه ما زال حيا،
وان الحكايات الصغيرة قادرة على ترميم المسافات الكبيرة.

وفي الضوء الذي يتسلل من بين الغيوم كرسالة بلا توقيع.

الله هناك، في الصدفة التي ليست صدفة،
في اللطف الذي لا يرى.

تذكرت كنيسة القيامة،
وفيروز وهي تغني للقدس: “لاجلك يا مدينة الصلاة اصلي.”
ذلك الصوت الذي كان يرفع المدينة الى السماء،
ويعيدها الينا اكثر نقاء وحنينا.

وفي يوم عادي من حياتي هنا في كندا،
وجدت نفسي اقف في معرض اونتاريو للفنون في تورنتو،
امام مجسم كنيسة القيامة في القدس،
المنحوت في بيت لحم عام 1600 من عظام الجمال، وخشب فلسطين، وصدف البحر – Mother of Pearl.

تخيلوا يا سادة… عام 1600!

كل هذا الجمال، وهذه الدقة،
صاغتها ايد تعرف ان الفن صلاة اخرى،
وان الاتقان نوع من العبادة.

وقفت امام المجسم مدهوشة.

لم ار تحفة، بل قلبا منفيا ما زال ينبض خلف الزجاج.

كأن شيئا في توقف عن التنفس لحظة.

كأن القدس تنحتني ايضا،
لاكون امتدادها في المنافي،
احملها كما يحمل البحر ملوحته اينما ذهب.

ثم عدت الى سؤال يحيى.

الى تلك الفتاة التي كانت في السادسة عشرة،
يوم منحها ابي، رحمه الله، هديتين غيرتا مجرى حياتها.

كان شتاء 1996، والبرد في عمان له رائحة ياسمين يختبئ خلف الزجاج.

في ذلك المساء، خرج ابي من عيادته في الهاشمي الشمالي،
وتوقف عند شركة Nets ليسجل اشتراكا جديدا باسمي.

كان من اوائل الذين شبكوا حاسوبا بحاسوب آخر في حي مختلف،
مع صديقه، فقط ليجربا فكرة مجنونة: ان يلعبا الشطرنج عبر اسلاك الهاتف.

لم يكن احد يعرف يومها ما هو الانترنت، لكن ابي كان يعرف انه “شيء سيغير كل شيء.”
وصل الى البيت حوالي السابعة مساء،
يحمل في عينيه تلك اللمعة التي تسبق لحظة الفتح.

في يده اليمنى ظرف صغير بداخله اشتراك الانترنت،
وفي يده اليسرى علبة مستطيلة انيقة — ساعة Swatch كانت بألوان البحر، ميناءها ازرق، وسوارها شفاف كأنه قطعة من الضوء.

قال وهو يبتسم:
“عيد ميلاد سعيد يا هالة.”
كانت هديتان في الحقيقة:
الاولى اشتراك الانترنت،
والثانية تلك الساعة — رمز الوقت الذي بدأ يسير بطريقة جديدة،
ساعة فتحت باب المستقبل، من يد الاب الى يد الابنة.

اتذكر تلك الليلة جيدا.

كانت الغرفة دافئة على غير عادتها،
والشاشة الكبيرة تضيء ببطء كأنها تتردد قبل ان تولد.

سمعت الصوت المعدني العجيب،
كأن العالم يتنفس للمرة الاولى من فم الكتروني.

دخل الانترنت الى البيت كما يدخل الضوء الى غرفة مغلقة منذ زمن.

امي رفعت سماعة الهاتف لتتصل بخالتي، فانقطع الخط فجأة.

توقفت لحظة وقالت بحدة ام تعرف ان ثمة خطأ في النظام الكوني:
“انقطع الاتصال… شكلك فاتحة الانترنت يا هالة!”
ضحكت بصمت وانا اختبئ خلف الشاشة،
كمن اكتشف سرا لم يعلن بعد.

كانت تلك الضحكة الصغيرة اول اعلان عن استقلالي،
واول تمرد بريء على العالم القديم.

من تلك الليلة تغير كل شيء.

لم يكن الانترنت مجرد شبكة،
كان بوابة خرجت منها الى نفسي.

كانت البداية بسيطة،
اشتراك اسمه Nets لا يعرفه الا الاردنيون،
وصوت الاتصال كان يشبه ارتباك المرة الاولى في كل شيء،
كأن العالم يتنفس من سلك نحاسي رفيع.

ندخل الانترنت بقلوب خائفة ومندهشة،
نستكشف المنتديات كمن يكتشف قارة من الارواح.

منتدى للطب، وآخر للحياة،
وانا كنت اعود دائما الى منتدى الشعر، المكان الوحيد الذي يشبهني.

كنا نحو عشرة فقط،
نكتب قصيدة واحدة، بيتا بعد بيت،
ننتظر بعضنا بفضول خفي،
كأن القصيدة كانت كائنا حيا نتناوب على اطعامه من ارواحنا.

ما كنا نعرف الوجوه،
لكن الكلمات كانت كافية لنعرف القلوب.

حين يكتب احدنا بيتا جميلا،
نشعر جميعا ان اللغة نفسها ابتسمت لنا تلك الليلة.

انا امرأة لا تكمل الفكرة لان الافكار تفيض من رأسها،
عقلي يعيش في الف طريق في اللحظة نفسها،
وكل طريق يلد فكرة، وكل فكرة تلد دهشة.

ربما لا يكتمل فيّ شيء، لان الجمال نفسه لا يكتمل، بل يتجدد.

مع مرور الوقت، تغيرت اللغة، والايقاع، واليقين.

صار الوقت اسرع، والعمر اقصر، والذاكرة اخف.

صار الانسان يعيش في شاشة لا تغلق،
وصار الحلم يقاس بسرعة التحميل.

لم اتعامل مع الانترنت كاختراع عابر،
بل كزلزال فكري اعاد ترتيب الوعي البشري.

لقد غير الانترنت ليس طريقة عملنا فقط،
بل طريقة تفكيرنا، وشعورنا، وصمتنا.

لقد غير العالم اكثر مما غيرته الحروب والثورات مجتمعة.

لم يكن مجرد اداة، بل نظاما جديدا للحياة.

اعاد تعريف المسافة، والسلطة، والزمن، والذاكرة.

فجأة صار كل شيء متاحا: المعرفة، واللغة، والموسيقى، والحب، وحتى الحنين.

صار العالم شاشة مضيئة، والكون غرفة دردشة مفتوحة على الابد.

اخترعنا مجتمعات من الضوء، والغينا فكرة “العالم الثالث” من الخيال على الاقل.

جعل الطالب في عمان يناقش استاذا في هارفارد،
والتاجر في حيفا يبيع للعالم،
والكاتبة التي تكتب من بيتها في كندا تصل الى قارئ في بيروت.

ومع الوقت، صار الانترنت مرآة كونية،
كل ما نكتبه فيها يعود الينا، مضاعفا، مشعا، او مشوها.

كنت طفلة تحتمي بالمجلدات السميكة في مكتبة والدي.

لم تكن كتبا بالنسبة لي،
كانت كائنات تنبض في الخشب،
واسرارا تهمس حين المس حوافها باصابعي الصغيرة.

كنت افتح مجلد الانسكلوبيديا كما تفتح بوابة الى السماوات،
ابحث عن اول حرف من الكلمة التي اربكتني،
ثم اترك الصفحات تقودني كما يشاء القدر.

لم اكن اقرأ لاعرف،
كنت اقرأ لاتصل بشيء اكبر مني،
كأن الله ترك بعض صوته بين السطور لمن يحسن الاصغاء.

وحين جاء غوغل،
لم اره اداة للبحث، بل تحولا في شكل الوحي.

لم يكن انتقالا من الورق الى الشاشة،
بل من الورق الى النور.

كنت ادخله بوجل يشبه صلاتي الاولى،
اكتب السؤال كما يكتب المؤمن دعاءه،
منتظرة ان يفتح لي باب جديد من الفهم.

كل ما تغير هو شكل الصفحة فقط،
اما الطفلة التي كانت تقلب المجلدات في مكتبة ابي،
فما زالت تسكن داخلي،
تمد يدها كل مرة الى الضوء،
وتسأل العالم السؤال نفسه:
كيف يبدأ المعنى؟ واين يسكن الله بين الحروف؟

كنت اضحك حين يقولون “الذكاء الاصطناعي سيسيطر على العالم”،
وافكر في سري: لقد فعلها الانترنت قبل ان يولد الذكاء الاصطناعي.

لقد غير لغتنا، وعلاقاتنا، وذوقنا، وطريقة حبنا وخسارتنا.

جعلنا نعيش في عوالم موازية،
نحب بوجوه لم نرها، ونثق باسماء لم نعرفها.

انه الكائن الاعظم الذي اخترعناه ولم نعد قادرين على فصله عنا.

ولانني كنت هناك منذ البداية،
اراه كما ارى طفولتي: بريئا، ثم خطيرا، ثم ضروريا كالاوكسجين.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي — لا كاختراع جديد، بل كمرآة رقمية ضخمة،
عقل بلا نوم ولا نسيان،
الا حين يحاول ان يشبهنا.

عقل يكتب ويرسم ويحلل،
لكنه لا يعرف لماذا يفعل ذلك… لانه بلا قلب.

وهنا بدأ السؤال الكبير:
هل يمكن للمعرفة ان تخلص الانسان ان فقدت قلبها؟ ام انها، في سعيها لتقليده، تمحوه؟

لن يعرف الذكاء الاصطناعي يوما
ما تعنيه دمعة ام وهي تقرأ سورة يس على وجه ابنها النائم،
ولا ان الالهام لا يبرمج،
وان الدهشة ليست خوارزمية،
وان الروح تظل سرا لا يمكن تحويله الى كود.

درست البلوك تشين والكريبتو،
ودخلت عالم الذكاء الاصطناعي وانا اتنفس الدهشة.

في عام 2021، درست في MIT،
وانهيت البرنامج بتفوق،
لكنني خرجت منه بشعور يشبه البداية لا النهاية.

كنت اشعر انني لا افهم شيئا،
وان المعرفة كلما اقتربت منها، ابتعدت اكثر،
كأنها نجمة بعيدة،
كلما حاولت لمسها زاد لمعانها وابتعدت عن يدي،
لكنها تركت في ضوءا لا ينطفئ.

اما الكريبتو فقد حرر الفكرة من السلطة،
علمنا ان القيمة ليست في الورق بل في الثقة،
وان العالم يمكن ان يعيش بلا مركز،
تماما كما يعيش الايمان بلا وسيط.

كل هذا حدث في مدى عمر واحد.

جيل ولد على الورق واستيقظ في السحابة،
جيل عاش زمن الرسائل المكتوبة بخط اليد،
ثم وجد نفسه يكتب لملايين لا يعرف وجوههم.

جيل رأى العالم ينتقل من البصمة على الطين الى البصمة الرقمية.

وانا — ابنة هذا التحول — كنت اراقب كل شيء بعين تتعلم الدهشة ولا تشبع منها.

لم اتعلم التكنولوجيا لاعمل بها،
بل لافهم اللحظة التي قرر فيها الانسان ان يحاكي الله في الخلق.

حين خلق الذكاء، كان يبحث عن مرآته.

وحين اخترع الانترنت، كان يمد حبلا بين روحه والعالم.

وحين اخترع الكريبتو، كان يصرخ في وجه الجشع قائلا:
“اريد ان اثق… ولكن بشروطي.”

هذا هو عصرنا:
عصر لا يسأل “الى اين نمضي؟”
بل “ماذا يبقى منا حين نمضي؟”

ابي لم يكن يدري انه حين قدم لي اشتراك الانترنت وساعة ال Swatch،
كان يمد لي خيطا يصل بين زمنين:
من بيت لحم 1600 الى تورنتو 2025.

من الحرف اليدوي الى الذكاء الاصطناعي.

من الصدف والخشب والعظام الى الشيفرات والخوارزميات.

الوقت لا يسرقنا كما نظن،
انه يربينا،
ينحتنا كما نحت ذلك الصدف في بيت لحم،
ليصير كل واحد فينا قطعة من الجمال الذي لا يموت.

الان، وانا اقترب من عيد ميلادي،
افكر انني لا اريد ان اعود الى عمر الستة عشر،
بل اريد ان احبها — تلك الفتاة القديمة —
لانها كانت البداية لكل ما صرت الان.

اشكر الله على كل “لو” لم تتحقق،
وعلى كل ما تأخر حتى نضجت لافهمه.

على الانترنت الذي غير حياتي،
وعلى يحيى الذي سألني،
وعلى المجسم الذي جعلني ابكي في متحف بعيد،
وعلى فلسطين التي تواصل نحت الجمال حتى وهي تنزف.

فلسطين… انا الاصل، وما بعدي التقليد.

الان…

حين اتأمل كل ما حدث وما لم يحدث،
ادرك ان الله كان يكتبني على مهل.

ان كل “لو” كانت حكمة متنكرة،
وكل تأخير كان لطفا في غير موعده.

كل ما ظننته مصادفة كان ترتيبا من الله ليقودني الى نفسي.

سلام على بيت لحم وهي تنحت قلبها من الصدف،
وسلام على ابي وهو يقدم لي العالم بهديتين صغيرتين،
وسلام علي —
لانني وصلت اخيرا الى ما لم اكن ابحث عنه،
واكتشفت ان هذا هو الوصول الحقيقي.

هالة حجازي تكتب على طاولة مشمسة
هالة حجازياوكفيل - كندا · ٣٠-١٠-٢٠٢٥